المحافظة على الزواج Main_art_2841425


عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ": لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر" أخرجه الإمام مسلم وأحمد وغيرهما..ولكي نستوعب ما في هذا الحديث الشريف من دروس لابد أن نعرج على قوله تعالى في سورة النساء 19 " وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا " . فمن المعلوم أن الزواج يستمر ما دامت المحبة بين الزوجين قائمة، ولكن الآية الكريمة تتعلق بوجود كراهة الزوج لزوجته ، فترشده إلى أن يعاشرها بالمعروف ويستمر على ذلك ويصبر على إمساكها ، فإن صدق في ذلك فإن الله سيجعل في ذلك الزواج خيرا كثيرا، والزوج قد يكره زوجته لعيوب فيها وإن كانت ذات دين وخلق وعفة، فقد تكون سليطة اللسان او حادة الطبع أو مبذرة أو كثيرة الطلبات أو عديمة الاهتمام بزينتها أمام زوجها أو متسلطة أو شرسة أو كثيرة الشكوى والتذمر أو كسولة أو صاحبة غيرة شديدة لدرجة الشك فيضيق الزوج ذرعا بها وتذبل محبته في قلبه ويشعر بالتعاسة والشقاء، ويكره زوجته، وتكبر عيوبها وتكثر في عينه وتفكيره، ويصبح قاب قوسين أو أدنى من الطلاق. ولكن القرآن قدم له الحل المناسب وهو المعاشرة بالمعروف و الاستمرار في ذلك والصبر على إمساكها عسى أن يجعل الله في ذلك الإمساك خيرا كثيرا، ويأتي الحديث الشريف ليدفع عن المسلم كراهية زوجته , فينهي أن يبغض المؤمن زوجته بسبب خلق سيء فيها، وعليه أن يتذكر حسناتها إذا اكتشف عيوبها ويجعل المزايا والحسنات ماحية لسيئاتها وعيوبها(وهذا في حالة أن عيوبها محتملة ولا تتعلق بأمور خطيرة كالشرف ونحو ذلك) ، فلو كانت زوجتك شرسة أو ثرثارة أو متسلطة فلا تنسى أنها مؤمنة تعبد الله وأنها عفيفة وأنها تخدمك وتواسيك وأنها وسيلتك للعفة عن الحرام،إن تذكرك لهذه الحسنات يخفف من وقع العيوب على قلبك ويدفعك للصبر والإمساك خصوصا إذا أنجبت لك تلك الزوجة أولادا يحتاجون لوجود الأب و الأم معاً. ومن تأمل طبيعة البشر وجد أن لكل إنسان مزايا وعيوب وحسنات وسيئات (إلا من عصم ربك) وليست المرأة بخارجة عن هذه الطبيعة، ولا يمكن للزوج أن يستمتع بزوجته إلا وهو صابر على عيوبها لأنه لا يوجد إنسان خال من العيوب أصلا ، فمن طلب أن تكون زوجته بلا عيوب فقط طلب المحال ، وهكذا هي الحياة تأتي رياحها بم لا تشتهي السفن ، وعلى الإنسان أن يداري ويتغاضى ويصفح ويصبر وإلا فليبحث له عن كوكب آخر يعيش فيه ، ومعلوم أنه لا راحة في الدنيا وإنما خلق الله الراحة وأسكنها الجنة فمن دخلها وجد الراحة فيها ، ومن تأمل في نفسه وجدها لا تستقيم له على حال ، فأحيانا تطيعك وأحيانا تعصيك ، ومرة تقودك ومرة تقودها ، فكيف تطلب أن تكون زوجتك شاذة عن طبيعة البشر ، فلا تكن متشائما في نظرتك إلى زوجتك فتكون بصيرا بعيوبها متخصصا فيها وأعمى عن حسناتها ومزاياها وخدماتها ، فأين العقل وأين الوفاء وأين الصبر وحسن المعاشرة وتحمل الأذى والدفع بالتي هي أحسن ، فزوجتك أولى بهذه المعاملة الحسنة وأحق بها بعد ما أفضى بعضكم إلى بعض. وبناء على ما سبق نقول أن الزواج يستمر في وجود المحبة، ويمكن أن يستمر في عدم المحبة أو فتورها إذا فهمنا طبيعة المرأة ونظرنا إلى عيوبها دون أن نغفل عن حسناتها ومزاياها وتعاملنا معها بالصفح والصبر وحسن المعاشرة وقلبنا ممتلئ بالأمل في الله أن يجعل في ذلك خيرا كثيرا كأن يرزقك الذرية الصالحة وكان تجد في شيخوختك زوجة تعتني بك ونحو ذلك. وكم من زوج طلق زوجته بسبب العيوب القابلة للصفح والتغاضي وتزوج بمن هي أشد وأنكى وصار يترحم على زواجه الأول. إن وسائل الإعلام بما تبثه من قصص ومسلسلات مبنية على فكر لا يمت للإسلام بصلة بل هي مستوردة من ثقافة مادية ، فهي تروج لفكرة الطلاق وان الزواج بلا محبة قائمة بين الزوجين ما هو إلا جحيم لا يطاق وتبرر لكل زوج أن يتخذ عشيقا أو عشيقة بحجة أنه لم يعد يحب الطرف الآخر، فهذه الأفكار الهدامة وجدت فراغا في عقول الكثير من الرجال والنساء فتغلغلت وانتشرت، وهذا بسبب قلة الثقافة والعلم والمعرفة ولبعدنا عن هدى القرآن الكريم وحديث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فالفكر المستورد لا يهمه سوى أن ينال الإنسان متعته في الدنيا قبل انقضاء أجله ولا يعرف أوامر الله ورسوله ولا يعرف الصبر وحسن المعاشرة والوفاء ولا يعرف الأمل في رحمة الله الواسعة ولهذا يحرض كل طرف من الزوجين على الانفصال والخيانة. لقد قرر الكثير من علماء النفس أن الإنسان إذا واجه ظروفا صعبة لا يمكنه قهرها فعليه أن يروض نفسه عليها ويتعلم كيف يحصل على أفضل ما يمكن وكيف يتحمل ما يكرهه وباختصار أنهم يعالجون مرضاهم بأن يتكيفوا ويتأقلموا مع مشاكلهم طالما أنهم لا يستطيعون محوها نهائيا ، ولو قلنا بانفصال كل علاقة نظرا لاكتشاف إطرافها لعيوب بعضهم بعضا فلن تبقى هناك علاقة جوار و لا زواج ولا صداقة ولا زمالة ولا أخوة ولا قربى ولا صلة رحم لأنه كما أسلفنا لكل منا مزايا وعيوب. فهذا هو هدي القرآن وسنة الرسول الكريم للحفاظ على تماسك الزواج واستمراره في حالة وجود الكراهة ، وهذه هي الوصفة الوقائية للوقاية أصلا من حدوث الكراهة بين الزوجين، فما عسانا فاعلون؟ وتذكر بان قاعدة الحياة وقانونها الدائم هو أن الحياة المطمئنة تحتاج منا إلى الصبر والإيمان والتضحية والأمل في الله وليست الحياة طريق مفروش بالزهور، ومن اراد الزهور فعليه بتحمل اشواكها ومن أراد العسل فليصبر على لسعات النحل.