من آثار الإمام عبد الحميد بن باديس (3/ 222)



اعلموا جعلكم الله من وعاة العلم، ورزقكم حلاوة الإدراك والفهم، وجملكم بعزة الاتباع، وجنبكم ذلة الابتداع، أنّ الواجب على كلّ مسلم في كلّ مكان وزمان أن يعتقد عقدا يتشربه قلبه وتسكن له نفسه وينشرح له صدره، ويلهج به لسانه، وتنبني عليه أعماله، أنّ دين الله تعالى من عقائد الإيمان، وقواعد الإسلام، وطرائق الإحسان إنّما هو في القرآن والسنة الثابتة الصحيحة وعمل السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين(١) وأنّ كلّ ما خرج عن هذه الأصول(٢)، ولم يحظ لديها بالقبول- قولا كان أو عملا أو عقدا أو احتمالا فإنّه باطل من أصله -مردود على صاحبه(٣)- كائنا من كان في كلّ زمان ومكان- فاحفظوها واعملوا بها تهتدوا وترشدوا إن شاء الله تعالى، فقد تضافرت عليها الأدلة -من الكتاب والسنة-، وأقوال أساطين الملة -من علماء الأمصار- وأئمة الأقطار -وشيوخ الزهد الأخيار- وهي لعمر الحق(٤) لا يقبلها إلاّ أهل الدين والإيمان- ولا يردها إلاّ أهل الزيغ والبهتان(٥)، والله أسأل التوفيق لي ولكم ولجميع المسلمين والخاتمة الحسنة والمنزلة الكريمة في يوم الدين(6) آمين والحمد لله ربّ العالمين.

١- والمقصود بالسلف شرعا هم: " الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان إلى يوم الدين ممّن أجمعت الأمة على عدالتهم وتزكيتهم ولم يرموا ببدعة مكفرة أو مفسقة " والأصل فيه أهل القرون المفضلة من الصحابة والتابعين وتابعيهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [التوبة: 100] وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "خير النّاس قرني ثمّ الذين يلونهم ثمّ الذين يلونهم" [أخرجه البخاري:5/258، ومسلم: 16/87، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه]. فأهل السنة والجماعة وهم أتباع السلف لا يدعون إلاّ إلى اتباع الكتاب والسنة وما اتفقت عليه الأمّة ويوالون به ويعادون عليه (مجموع الفتاوى لابن تيمية:22/248-249 إعلام الموقعين لابن القيم:4/262) لذلك كان الانتساب إلى أهل السنة والجماعة أو إلى السلفية عزّا وشرفا، خاصة إذا تجسّد بالعمل الصحيح المؤيد بالكتاب والسنة، وإنّما العيب والذم في مخالفة اعتقاد السلف الصالح في أصل من الأصول، لأن مذهب السلف لا يكون إلاّ حقا قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً﴾ [النساء: 115].
ومن منطلق هذا المعنى يعلم أنّ السلفية ليست مرحلة زمنية تنقضي بموت أفرادها ولكن منهج متبع، وقدوة صالحة، فالقدوة هم أصحاب القرون المفضلة، والمنهج هو الطريقة المتبعة في هذه الأزمنة القائمة على تقرير العقيدة السليمة والاستدلال عليها والدفاع عنها. وعليه فإنّ مجرد الانتماء إلى الكتاب والسنة من غير العمل بهما والاعتصام من الخروج عنهما بالتمسك بما كان عليه السلف من القرون المشهود لهم بالخيرية فهي مجرد دعوى باطلة لا أساس لها من الصحة ومفرغة من حقيقتها لأنّ العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والأسامي كما تقرر في القواعد أنّ: "ادعاء المسميات لا يلزم ثبوت الصفات".

٢- من أهم الأصول والمميزات الكبرى التي يختص بها أهل السنة والجماعة (السلفية):
- تقديمهم للشرع على العقل مع أنّ العقل السليم لا يعارض النص الصحيح بل هو موافق له.
- طلبهم للعلم بالمطالب الإلهية عن طريق الكتاب والسنة وكلام سلف الأمّة مع رفضهم للتأويل الكلامي بخلاف مذهب الخلف الذين دنسوا عقائدهم بأدران علم الكلام اليوناني، وترهات الفلاسفة وتمحلات المتكلمين ومن سلكوا غير سبيل سلفهم من أهل الأهواء وأرباب الابتداع كالجهمية والمعتزلة والأشعرية والرافضة والخوارج والاتحادية ونحوهم، ممّن دلت النصوص الشرعية وإجماع سلف الأمّـة على ذم مسالكهم وطرائقهم العقدية، فإن مذهب الخلف قائم على تأويل نصوص الكتاب والسنة بمختلف أنواع المجازات مع رفضهم قيام صفات الفعل بالله تعالى، فضلا عن إفراطهم في تحكيم العقل وردّ النصوص ومعارضتها به، فما وافق العقل من نصوص الشرع عملوا به وما خالف أولوه، فإنّ هذه الموازين العقلية التي قعدتها عقول ضالة في تصور الحقائق العقدية الكبرى زلزلت عقائد المسلمين وصرفتهم عن كتاب ربهم وسنة نبيهم، فكيف تكون هذه الأقيسة والبراهين ومحاولة تطبيقها على المطالب الإلهية تؤدي إلى السلامة في المفاهيم العقدية؟ مع البون الشاسع بين هذه الأصول المنحرفة وتلك التي تبني معرفتها على دلالة نصوص الشرع بخبر الله وخبر رسوله وبفهم سلف هذه الأمة.

٣- فمراده أنّ الأصل في العبادات الحظر والمنع حتى يقوم الدليل على الجواز والمشروعية، وأنّ كل من أحدث في دين الله ما ليس منه فهو باطل مردود على صاحبه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" [أخرجه مسلم:12/16 من حديث عائشة رضي الله عنها] وانّ الله تعالى لا يقبل من الدين إلاّ ما شرع، وما يستتبع ذلك من الإخلاص لله تعالى، والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

٤- قال القرطبي في تفسيره (10/41) عن بعض أهل المعاني في معرض قول الشاعر:لعمر الله أعجبني رضاها "لا يجوز هذا، لأنّه لا يقال لله عمر، وإنّما هو تعالى أزلي ذكره الزهرواني" أمّا لفظة "لعمري" أو "لعمرك" فقد كرهها كثير من أهل العلم لأنّ معناها: "وحياتي" وهو منقول عن إبراهيم النخعي ومالك وغيرهما، وقد استعملها السلف الصالح منهم عمر بن الخطاب وابن عباس من الصحابة رضي الله عنهم، والإمام الشافعي والإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى وابن القيم في روضة المحبين، وغيرهم من العلماء رحمهم الله تعالى. ولا يلزم منها القسم، وقد ألف الشيخ حماد الأنصاري رسالة باسم "القول المبين في أنّ "لعمري" ليست نصا في اليمين".
هذا، وجدير بالتنبيه أنّ لفظ "العمر" (بضم العين وفتحها) لغتان ومعناهما واحد إلاّ أنّه لا يستعمل في القسم إلاّ بالفتح كما ذكر القرطبي، وعليه يحمل كلام السلف على عدم إرادة اليمين، أمّا من أراد القسم واليمين فحكمه المنع لأنّه قسم جاهلي ورد النهي عنه (انظر: غمر عيون البصائر للحموي:1/45، ومعجم المناهي اللفظية لبكر أبو زيد:470)، ولا يخفى أنّه لا يجوز الاستدلال بقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر : 72] على جواز استعماله لأنّه يجوز لله تعالى ما لا يجوز لغيره.

٥- فالمنهج السلفي قائم على الصحيح المنقول الثابت بالكتاب والسنة والآثار الواردة عن الصحابة والتابعين من أئمة الهدى ومصابيح الدجى الذين سلكوا طريقهم، فهذا المنهج هو الصراط المستقيم وهو أعظم ما يتميز به أهل السنة والجماعة عن أهل الأهواء والفرقة، وهي خصيصة لم يتصف بها أحد سواهم، لأنّ مصدر التلقي عند مخالفيهم من أهل البدع والفرقة هو العقل الذي أفسدته ترهات الفلاسفة وخزعبلات المناطقة وتمحلات المتكلمين.

٦- والشيخ عبد الحميد بن باديس في نصيحته النافعة لا يخرج عن دعوة أهل السنة والجماعة إلى التمسك بوصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتمثلة في الاعتصام بالكتاب والسنة وما اتفقت عليه الأمّة فهذه أصول معصومة دون ما سواها قال صلى الله عليه وآله وسلم: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه" [أخرجه مالك في الموطإ3/93)، والحاكم: (1/93)، والبيهقي: (10/113) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، والحديث صححه الألباني في "المشكاة" (186)]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" [أخرجه أبو داود: (5/13) والترمذي: (5/44) وابن ماجه: (1/15)، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود: (3/118)، وصحيح ابن ماجه: (1/31)].