بـســم الله الـــرحـمــن الرحيـــــم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




( لَا يَسْأَمُ الْإِنسَــانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ

قَنُوطٌ ، وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِــن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ

هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي

عِندَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ

عَذَابٍ غَلِيظٍ ، وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَــلَى الْإِنسَــــانِ أَعْـــرَضَ وَنَأى

بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ ) فصلت49-51



هذا إخبار عن طبيعة الإنسان مــن حيــث هو ، وعدم صبره

وجلده ، لا على الخير ولا على الشر ، إلا مـــن نقله الله من

هذه الحال إلى حال الكمال، فقال ( لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء

الْخَيْرِ ) أي : لا يمــل دائما من دعاء الله ، في الغنى والمال

والولد ، وغيـر ذلك من مطالب الدنيا ، ولا يزال يعمل على

ذلك ، ولا يقتنع بقليل ولا كثير منها ، فلو حصل له من

الدنيا ما حصل ، لم يزل طالبا للزيادة .



( وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ ) أي : المكروه ، كالمرض والفقر وأنــواع

البلايا ( فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ ) أي : ييأس من رحمة الله تعــالى ،

ويظن أن هذا البلاء هو القاضي عليه بالهلاك ، ويتشوش

من إتيان الأسباب على غير ما يحب ويطلب .



إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فإنهــم إذا أصابهم الخير

والنعمة والمحاب ، شكروا الله تعالى ، وخافوا أن تكون نعم

الله عليهم استدراجا وإمهالا ، وإن أصابتهم مصيبة فــــي

أنفسهم وأموالهم وأولادهم صبروا ، ورجوا فضل ربهم ،

فلم ييأسوا .



ثـم قـــال تعـالى ( وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ ) أي : الإنسان الذي يسأم من

دعاء الخير، وإن مسه الشر فيئوس قنوط ( رَحْمَةً مِّنَّا ) أي:

بعـــد ذلك الشر الذي أصابه ، بأن عافاه الله من مرضه ، أو

أغناه من فقره ، فإنه لا يشكر الله تعالى ، بل يبغى ويطغى ،

ويقـــول ( هَذَا لِي ) أي : أتاني لأني له أهل وأنا مستحق له

( وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ) وهذا إنكار منه للبعث ، وكفـــــر

للنعمة والرحمة التي أذاقها الله له . ( وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي

إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى ) أي : على تقدير إتيان الساعة، وأني

سأرجع إلى ربي ، إن لي عنده للحسنى ، فكمـــا حصلت لي

النعمة في الدنيا ، فإنهــــا ستحصل لي في الآخرة وهذا من

أعظم الجراءة والقول على الله بلا علم، فلهذا توعده بقوله

( فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ

غَلِيظٍ ) أي : شديد جدا .



( وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ ) بصحة أو رزق أو غيـــرهمـــا

( أَعْرَضَ ) عــــن ربه وعن شكره ( وَنَأى ) أي : تـــرفـــع

( بِجَانِبِهِ ) عجبا وتكبرا . وإن ( مَسَّهُ الشَّرُّ ) أي: المرض،

أو الفقر، أو غيرهما ( فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ ) أي: كثير جدا ،

لعدم صبره، فلا صبر في الضراء ، ولا شكر في الرخاء ،

إلا من هداه الله ومن عليه .



الكتاب تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان


( ص 752 ) للشيـــخ : عبد الرحمن السعـدي